أثيوبيا.. شبح الحرب الأهلية والمسألة اليهودية

الإثنين 15 نوفمبر 2021 - 12:30 مساءً بتوقيت القدس

أحمد سمير - عكا للشؤون الاسرائيلية

 

ما تزال المعارك الدائرة بين الحكومة المركزية في أثيوبيا وتحالف الفصائل المناوئة بزعامة جبهة تحرير "تيغراي" في الشمال وجيش تحرير "أورومو" في الجنوب متواصلة ومشتعلة، حيث دخلت الحرب بين الطرفين مرحلة حرجة إثر سيطرة المتمردين على مدينتين استراتيجيتين شمال العاصمة أديس أبابا، ما دفع بالسلطات الإثيوبية لإعلان حالة الطوارئ في عموم البلاد، ودعوة سكان أديس أبابا إلى تنظيم صفوفهم للدفاع عن المدينة.

 

حرب أهلية طاحنة تلوح في الأفق وتوقعات بحمام دم مريع، تلك هي الصورة التي تتوقعها جهات إقليمية ودولية عدة لما ستؤول إليه الأحداث في إثيوبيا، ما قد ينجم عنه أيضا تفكك الدولة الفيدرالية إلى عدة دويلات لا تجمعها إلا الكراهية العرقية الشديدة.

 

في ظل هذه الحالة المرتبكة قفزت تل أبيب مجدداً إلى الواجهة في الأزمة الأثيوبية بما يربطها من علاقات استراتيجية وأمنية مع أديس أبابا؛ للتعامل مع الملف المتعلق باليهود الأثيوبيين الذين يُخشى أن يتعرضوا للقتل في أتون هذا الصراع الدموي القائم، الأمر الذي استدعى أن يعقد وزير الخارجية الإسرائيلي يائير لابيد اجتماعًا طارئًا في وزارته للنظر في تأثير تقدّم قوات تيغراي باتجاه العاصمة أديس أبابا، وانعكاس ذلك على الأخطار المحتملة على عشرة آلاف يهودي يقيمون في مخيمات العاصمة وكذلك في منطقة "غوندار" شمال أثيوبيا، ذلك لأنه سيكون من الصعب إجلاء هؤلاء في حال سيطرة جبهة تيغراي على العاصمة.

 

وعكَس قرار وزارة الخارجية الإسرائيلية إجلاء طاقم سفارتها في أديس أبابا، وإعادة الدبلوماسيين وعائلاتهم إلى إسرائيل، وتحذير اليهود من السفر إلى إثيوبيا؛ المخاوف الإسرائيلية حيال تطورات الأحداث واحتمال انزلاق إثيوبيا إلى حرب أهلية.

 

عمليات استجلاب الإثيوبيين إلى إسرائيل

بدأت هجرة اليهود الإثيوبيين إلى إسرائيل عام 1973م، وهاجر الجزء الأكبر منهم في جسرين جويين تم تنظيمهما عامي 1984 و1991 وتم نقل بعضهم عبر رحلات سرية من مخيمات للاجئين في السودان، ويعرف اليهود الذين بقوا في أثيوبيا باسم "الفلاشا مورا"، ويؤكد يهود "الفلاشا" أنهم أحفاد يهود إثيوبيين، لكنهم لا يستفيدون من "حق العودة" الذي يسمح لأي يهودي في الشتات بالهجرة إلى إسرائيل ويصبح مواطنًا تلقائيًا، وذلك لأنهم كانوا قد أجبروا على اعتناق المسيحية في القرن التاسع عشر، وقد ظل معظمهم معزولين عن المجتمعات اليهودية في جميع أنحاء العالم لعدة قرون ثم اعترفت السلطات الدينية في إسرائيل بهم مؤخرًا.

 

وقررت إسرائيل عام 1973 استجلاب العديد من يهود الفلاشا "الأثيوبيين"؛ لمواجهة النمو الديموغرافي العربي؛ "حين قرر حاخام الطائفة السفاردية "الشرقية" عوفاديا يوسف اعتبار طائفة "بيتا يسرائيل" الأثيوبية، طائفة يهودية؛ خلافاً للحاخام الأشكنازي شلومو غورين.  وتم ذلك على فترات وفق عمليات منظمة، ففي عام 1977 وصلت أول مجموعة من يهود إثيوبيا وعددها 120 شخصًا إلى إسرائيل، ومن عام 1977 وحتى عام 1983، استُجلب 6000 أثيوبي، وفي عملية "موشيه" عام 1984، تم استجلاب نحو 7800 أثيوبي، وفي عملية "سليمان" عام 1991، تم استجلاب 15000 أثيوبي؛ وارتفع عددهم سنة 2008 إلى 106900 مستجلب "مهاجر"

 

وعلى مدى السنوات اللاحقة نفذ "الموساد" العديد من العمليات السرية نقل فيها آلاف الإثيوبيين، ولم تتوقف عملية نقل اليهود الإثيوبيين لكن بوتيرة أقل، وهي مستمرة حتى يومنا هذا، وقد أشارت دائرة الإحصاء الإسرائيلية إلى أن 1467 من يهود إثيوبيا هاجروا في العام 2017 إلى إسرائيل.

 

واقع معقّد

وتقف قوات المتمردين على أعتاب العاصمة الإثيوبية أديس أبابا وسط أجواء شديدة التوتر تعم البلاد، وأنباء عن اقتراب سقوط عاصمة ثاني أكبر دول إفريقيا من حيث عدد السكان، وأدى اشتداد القتال في البلاد إلى فرار عشرات الآلاف إلى السودان المجاور، بينما أرسلت إريتريا قوات إلى تيغراي لمؤازرة القوات الإثيوبية، الأمر الذي نفته حكومة أديس أبابا ابتداءً حتى أقر أبيي احمد رئيس الوزراء في 23 آذار/مارس 2021 بأن القوات الإريترية دخلت تيغراي، وفي اليوم التالي أعلنت المفوضية الإثيوبية لحقوق الإنسان أن جنوداً إريتريين ارتكبوا مجزرة بحق أكثر من مئة مدني في أكسوم.

 

أمام هذه الواقع المعقّد والمشتبك في المشهد الأثيوبي طالب قادة يهود الفلاشا في إسرائيل رئيس الوزراء نفتالي بنيت بالاهتمام بحوالي 7 آلاف يهودي من أبناء طائفتهم أسوةً باهتمامه بحياة اليهود الإسرائيليين، إذ أن يهود إثيوبيا يتعرضون لخطر الموت بسبب الصراعات الدامية بين الفرقاء الإثيوبيين، وينتظرون منذ سنوات السماح لهم بالهجرة إلى إسرائيل، وقد تركوا بلدتهم وبيوتهم ويقيمون اليوم في مخيمات قريباً من مطار أديس بابا، على أمل أن تستجيب الحكومة الإسرائيلية لمطالباتهم بالتوطين في إسرائيل ومنحهم الجنسية وكامل الحقوق المدنية والسياسية، والمساواة مع باقي المهاجرين اليهود الذين تم استجلابهم إلى إسرائيل من مختلف دول العالم.

 

اعتراض رسمي

مجلس الأمن القومي في الحكومة الإسرائيلية، اعترض على استقدام يهود إضافيين من إثيوبيا، وصاغ موقفه في وثيقة سرية، كشف فيها أنه لا توجد مخاطر تهدد حياة يهود الفلاشا الذين ينتظرون نقلهم إلى إسرائيل، وحذر من أن "أي محاولة لتسريع نقلهم، في عملية عسكرية أو جهود دبلوماسية، ستخلق أزمة دبلوماسية مع حكومة إثيوبيا، وتكشف عن عملية نفذت خلال الحقبة الأخيرة من عهد حكومة بنيامين نتنياهو لإنقاذ يهود إثيوبيا انتهت بخيبة أمل."

 

واتضح بأن الموساد نفذ عملية سرية خلال ولاية نتنياهو، جرى خلالها نقل 77 إثيوبيا، بتكلفة 14 مليون شيكل (حوالي 5 ملايين دولار)، ولكن تبين لاحقا أن غالبيتهم ليسوا يهودا وأنه يوجد بينهم هاربون من العدالة ومتهمون بارتكاب جرائم قتل، وقد أثار استيعابهم نقاشات حادة في إسرائيل اتهمت وزيرة استيعاب الهجرة، بنينا تامنو – شاتا، وهي نفسها من أصول إثيوبية، بأنها تضلل الحكومة وتتسرع في القرارات وحملوها مسؤولية "المساس بيهودية الإسرائيليين من أصول إثيوبية"

 

العنصرية ضد الفلاشا

ويختلف اليهود من الأصل الإثيوبي عن بقية اليهود في العالم من عدة نواح، رغم أن التيار الإثيوبي من الديانة اليهودية أحد أقدم فروع اليهودية، وتشير الإحصاءات الإسرائيلية إلى تدنى المستوى التعليمي ليهود إثيوبيا وتفاقم البطالة بينهم، وشعورهم الشديد بالعزلة والاضطهاد والتمييز العنصري في كل ممارساتهم اليومية في إسرائيل، ولا يمارسون سوى الأعمال المتدنية، رغم سعي الحكومة الإسرائيلية إلى تجميل هذه الصورة عبر تعيين إثيوبيين في وظائف تستهدف الرأي العام العالمي بالدرجة الأولى، مثل تعيين وزيرة الهجرة في الحكومة الإسرائيلية الحالية وهي من أصل أثيوبي.

 

واندلعت احتجاجات كبيرة لليهود الإثيوبيين المعروفين بـ "يهود الفلاشا" في يوليو 2019م، في أنحاء عدة من إسرائيل كانت الأعنف والأوسع، وقد بدأت هذه التظاهرات عقب مقتل شاب إسرائيلي من أصول إثيوبية على يد شرطي خارج الخدمة بشكل مباشر ومتعمد، وهو ما اعتبره يهود الفلاشا استهتارا بأرواحهم، امتداداً لحالة التمييز العنصري التي يعيشونها منذ قدومهم إلى إسرائيل، فقد وصلت العنصرية حد السخرية منهم عبر المسرحيات والمقاطع المصورة، ووصلت كذلك إلى عدم اكتراث إسرائيل حتى بذكر اسم أحد الإثيوبيين الجنود الأسرى لدى المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة وهو "أبراهام منغستو"، ما يثير الكثير من التساؤلات حول الحقوق والحريات وحول تعريف "إسرائيل" للديمقراطية.

 

واتجهت "إسرائيل" إلى استقطاب اليهود في العالم ومن ضمنهم يهود إثيوبيا بسبب الحاجة لزيادة الكثافة السكانية في مواجهة الفلسطينيين، ولم تكن النظرة إليهم في ذلك الوقت سوى مستوطنين جدد يسدّون الفراغ السكاني، ولكن النظرة تحولت مع مرور الأعوام ليتبنى المتطرفون اليهود ذي الأصول الأوروبية والروسية النظرة القائمة على أن اليهود الإثيوبيين هم أقل مكانة منهم، لتبقى هذه النظرة إلى الآن مع اعتبارهم أقلية والانتقاص من حقوقهم السياسية والمدنية.

 

ملف يهود أثيوبيا كان ولا يزال مفتوحًا للجدل في إسرائيل على جبهتين، الأولى تتعلق بمدى يهوديتهم وجذورهم النصرانية، الأمر الذي دعا بعض الحاخامات إلى تهويدهم من جديد أو عدم الاعتراف بهم كيهود، أما الجبهة الثانية في مدى التعامل معهم بشكلٍ عنصري سافر أدى في كثير من الأحيان إلى احتجاجات كان آخرها وأهمها منتصف عام 2019.

x