عكا- عُرِفت مدينة "جنين" بالضفة الغربية كرمز ومكان للمقاومة الفلسطينية التي لطالما تصدت للجيش الإسرائيلي بكل بسالة وعنفوان، وقد أسْمتها وسائل الإعلام الإسرائيلية في يوم من الأيام بـ"مدينة المنتحرين الفظيعة".
المحلل السياسي المعروف في صحيفة معاريف "بن كاسبيت" يرى في تقرير له أن جنين اليوم لم تعُد كالأمْس، فالهدوء والأمان الذي يحظى به الإسرائيليون لم يسبق له مثيل، راجعا الفضل في ذلك للتنسيق الأمني المتبادل بين الأمن الإسرائيلي ونظيره الفلسطيني.
وتُعتبر جنين هي الحافظة الوحيدة في الضفة الغربية التي أُخليت منها المستوطنات، ولا يوجد فيها ذلك التواجد الكبير للجيش الإسرائيلي، بفضل الهدوء الموجود الذي نتج عن التنسيق الأمني.
ويرى حاكم جنين "موسى قدورة" أنه يجب أن يكون هناك تواصل مشترك بين جنين والمناطق الإسرائيلية المجاورة التي لا تبعد عنها سوى 50 متر، وقال: "أرى أنه لا يجب قطع العلاقة فيما بيننا حتى في الأوقات الصعبة، فنحن نتنفس الهواء نفسه ونشرب الماء نفسه".
وأضاف "انخفضت البطالة عندي انخفاضا حادا، وفي السبت الأخير دخل هنا 3 آلاف سيارة من إسرائيل تعود لعرب الداخل، فما يزال ذلك محظورا على اليهود".
وأشار إلى أنه التقى مؤخرا رئيس الإدارة المدنية المدعو "بولي"، وقائد المنطقة الوسطى في الجيش "آفي مزراحي"، وطلب منهم أن يفتحا المدينة لليهود أيضا.
ووجه "قدورة" دعوة للإسرائيليين للقدوم لجنين، وقال: "أنا أدعو الإسرائيليين من هنا إلى إتيان جنين، المدينة مفتوحة أمامكم، ونحن مستعدون لقبول الجميع من جميع الشعوب والأديان والألوان ما عدا المستوطنين بطبيعة الأمر.. أهلا وسهلا".
وحاول حاكم جنين طمأنة الإسرائيليين بقوله: "جنين أكثر أمنا من تل أبيب، ولا يوجد عندي جريمة لا تُحل ألغازها فجميع القضايا تُحل وجميع الجُناة يعتقلون، حيث يوجد عندنا محاكم وسجن ونظام في الشوارع، ولنا سيطرة أمنية كاملة، ولا يوجد عندنا ما يُقلق".
وتأكَّد الصحفي الإسرائيلي "بن كاسبيت" مما قاله "قدورة" عندما تجوَّل في المدينة دون أن يرافقه أي شرطي أو أي قوة أمنية فلسطينية، وأشار إلى أنه ظن نفسه في يافا، حيث لا يوجد نقوش في الحيطان ولا أعلام حماس ولا شعور بالتهديد.
وأبدى "قدورة" استياءه من دخول الجيش الإسرائيلي الفظ إلى المدينة في ساعات النهار، لافتا إلى أنه وبحسب الاتفاق المُبرم يدخل الجيش في ساعات الليل فقط، بينما تعمل قوات الأمن الفلسطينية في منتصف الليل.
وقال: "لقد سكنت مدينة عنيفة مليئة ومضروبة بالإرهاب والمنتحرين، ولكنها بدأت تزدهر، فقد اختار الناس كلهم طريق السلام، واعتقدت أن إسرائيل ستُعطيني المستوطنات التي أُخلِيت".
وتابع: "أصبح عندنا نموذج لإنشاء قرى أولاد دولية هناك ليأتي الأولاد من العالم كله إلى قرية سلام، لكن يبدو أن الأمر ليس كذلك، فكل شيء عالق بين الإدارة ووزارة الدفاع والجيش، وفي النهاية ينتهي الأمر إلى نقيب ما يريد أن يؤثر في الرفاق فيقوم بأعمال بهلوانية في الشارع الرئيس".
وكشف "بن كاسبيت" أن رئيس الشاباك "يوفال ديسكن" وقائد المنطقة "آفي مزراحي" جالوا في المدينة وشاهدوا فيلماً بحماسٍ شديد.
ولفت قدورة إلى أنه يوجد خطط لمشروع سياحة مشترك، كما أنه توجد منطقة صناعية مشتركة -(ألف دونم في الجانب الفلسطيني 750 دونما في الجانب الإسرائيلي-، وتوجد خطط أخرى هي تجسيد للحلم.
وقال: "يأتي كل شيء من أوامر أبي مازن وسلام فياض الصريحة.. هذا حلمهما وحلمنا.. اخترنا السلام اختيارا استراتيجيا لكن الإسرائيليين لا يمدون أيديهم لنا ببساطة.. ليس اختيارنا سياسيا بل حقيقيا، نحن نؤمن بهذا.. لن يكون لكم معنا سلام بارد، فمعنا إما ان يكون سلاما حارا او حربا ساخنة، فنحن قريبون جدا، وجيران، فلماذا لا نسير معا؟".
ديسكو في المقاطعة
على نفس المنوال، ترى في رام الله العجب العجاب، حيث المشروب على الموضة وقت الشفق الأحمر، والرومانسية تسيطر على الأجواء، ويوجد على الشرفة فتاة في لباس مكشوف تسمى "جيني" تتحكك بزوجها "سعيد" الذي يستنشق النرجيلة بطعم الليمون مع النعنع، وعلى المائدة كؤوس الويسكي والجعة، الريح منعشة لذيذة في هذه الساعة من شهر تموز.
هكذا بدا يوم الثلاثاء من الأسبوع الماضي، لا في نيويورك أو في باريس ولا في تل أبيب أيضا، فقد حدث هذا على مبعدة 40 دقيقة عن مركز إسرائيل في نادي "أنيسا" الذي يقع في قلب عاصمة السلطة الفلسطينية "رام الله".. إنها رام الله.
"وُلِدت في الولايات المتحدة، في يوستون، ونشأت هناك حتى سن 12".. تقول جيني وكأس جعة في يدها، وتضيف "في 1991 قرر والداي اللذان ولدا في رام الله العودة وقد أحسنا الصنع، أشعر هنا في البيت، فالحياة هنا لا تقل تقدما وروعة عما هي في أمريكا".
إلى جانب "جيني" يجلس زوجان شابان هما "حلا" و"محمد"، اللذين تزوجنا قبل 3 أشهر"، وتقول "حلا" المولودة في رام الله: "نعيش في نيويورك لأن محمدا يحضر لإجازة الدكتوراة في الهندسة، لكننا نأتي هنا في كل إجازة، حيث لا ينقص هنا شيء".
"عميت لفنتال" مُعِد التقرير، يتساءل عن الشيء الذي ينقص رام الله، مشيرا إلى أنه في السنوات الثلاثة الأخيرة، قام 700 مستثمر من العالمين العربي والغربي ببناء أكثر من ألف مشروع في الضفة الغربية، وأيد ذلك بتبرعات من العالم وبأموال ضرائب ومن السلطة الفلسطينية.
ولفت إلى أن البطالة انخفضت انخفاضا حادا بنسبة 15% فقط ووقف النمو في 2009 على 8%، ويتوقع أن يكون مرتفعا هذا العام أيضا، وذلك بفضل العمل الهادئ لقوات الأمن الفلسطينية التي تفرض نظاما صارما، وأصبحت المحكمة العليا في رام الله في المدة الأخيرة جسما ذا قوة عظيمة.
وذكر بأنه يعمل في رام الله أكثر من 50 مقهى، وعشرات المشارب والمراقص وسائر أماكن قضاء الأوقات ولونا بارك مدهش يعمل في الليل أيضا وقصر ثقافة، و 12 فندقا، نشأ 5 منها في السنين الثلاث الأخيرة وتثبت ثباتا حسنا للسياحة في المدينة، مشيرا إلى أنه سيتم قريبا افتتاح في موقع استراتيجي في مركز المدينة فندق لشبكة "موبينفك" السويسرية.
وقال: "ليست النهضة لرام الله وحدها، حيث تقام الآن منطقة صناعية جديدة عند ظاهر بيت لحم بمساعدة مالية فرنسية ستحتوي على نحو 50 مصنعا للصناعات الخفيفة والمتوسطة، ويبنون الآن في شمالي رام الله مدينة "روابي" وهي المدينة الفلسطينية الأولى التي يفترض بحسب الخطة أن تكون رائعة".
وبيَّن أن مليون سائح من بينهم إسرائيليين زاروا الضفة الغربية في السنة الماضية، توجَّه معظمهم لبيت لحم ومكثوا في رام الله.