بعد بضعة ايام من اغتيال اسحاق رابين، سأل لاري كينغ في مقابلة صحفية هنري كيسينجر اذا كان في اسرائيل بديل عن رئيس الوزراء المغدور. كيسينجر لم يتردد. فأجاب على الفور: "لا". لا يوجد في اسرائيل سياسي يعرف الشرق الاوسط مثل رابين، شرح كيسينجر، في رد مباشر ومذهل. وبالفعل، فان القاتل اياه كان يعرف ما يفعله. القاتل اياه، عدو اسرائيل، تركها دون زعيم بوسعه حملها الى شاطىء الامان.
شاطىء الامان هذا لا يرتبط باسلو. فهو يرتبط بسوريا. لو بقي رابين معنا لكان اتفاق مع سوريا ولكان الشرق الاوسط بدا اليوم مختلفا. بدلا من ذلك بقينا مع حزب العمل بقيادة أناس ذوي نزعات استمتاع هزيلة لا يزالون يستمتعون بانتصار رابين في انتخابات 1992. القاتل ترك اسرائيل مع زعامة تجري التجارب على مصيرها، ينشغلون ليل نهار في بقائهم السياسي دون ان يكونوا يرغبون في أن يسمعوا عن ساعة الرمل التي تعمل في طالحها، عن المسيرة المتسارعة لفقدان شرعيتها في العالم، عن تخريب كل مساعي حاييم وايزمن وبن غوريون لخلق شرعية كهذه في العالم الواسع قبل قيامها، حيث كانت في الخلفية كارثة فظيعة للشعب اليهودي. في حينه ايضا كان الامر مصيريا. نسينا هذا.
قادة المعسكر الخصم لاسرائيل أعدوا لها فخا. فخ يتعلمه متدربو الجودو: استخدم قوة الاقوى منك كي تسقطه. واسرائيل تسقط في الفخ. اذا واصلنا هكذا سيكون من الصعب جدا رفعها مجددا الى أسرة الشعوب الشرعية، أسرة الدول الديمقراطية وكل هذا بسبب جهل لا يتوقف لزعمائها المزعومين الذين قد يكونوا يرغبون الخير ولكنهم يرفضون سماع كل الاصوات. مريح لهم ان يسمعوا فقط اولئك الذين يؤيدون رأيهم.
رابين لم يعرف فقط الشرق الاوسط. فقد عرف ايضا قيود السياسة. عرف انه دون كتلة المركز اليسار من 61 مقعدا لا يمكنه ان يتخذ اي خطوة. هذا الدرس لم يتعلمه نتنياهو. فقد خلق كتلة من 74 مقعدا، ولكنها جميعها تقريبا من اليمين والقسم القليل وغير ذي بال هم فقط من المطاردين للكراسي ممن يحبون المتع مثل وزراء العمل.
ولكن في شيء واحد اخطأ رابين: لم يعقد في الوقت المناسب الاتفاق مع سوريا. كان يفترض بهذا ان يكون الخطوة الدراماتيكية، الخطوة التأسيسية في الشرق الاوسط الذي يفترض بها ان تبعدنا عن ايران عن حزب الله وربما عن حماس ايضا. لو لم يقتل رابين، لجعل الاتفاق السياسي يتجه نحو التسوية مع سوريا هذا هو تقديري وقد كنت أعرف رابين جيدا.
لا شك في نوايا نتنياهو الصهيونية وفي أن صمود اسرائيل هو شمعة تضيء خطاه. ولكن عليه الان ان يبعد مجموعة الوزراء اليمينيين الذين يغلفونه. أبعد يا سيد نتنياهو اسرائيل بيتنا، خذ كاديما على محمل الجد، بتعاون كامل، مع البقايا سوية العقل التي ستبقى في الليكود (والعمل سيكون دوما الى جانبك اذ هذه هي عصبة من محبي المتع)، وستسير باسرائيل الى مكان آمن حقا. انسى الشعارات عن ايران وحرر نفسك من المستشارين المزعومين كعوزي اراد وأري شافيت. هذه الدولة ليست دولتك، بل وليست ايضا دولة من يحيطون بك. معظمهم محدثي فزع يضللونك. المسؤولية الوطنية هي قبل كل شيء الاستقامة الرسمية وتبني الواقع كما هو، دون محاولة للطمس او للتزيين.
لا تعمى عن حقيقة ان المجتمع الاسرائيلي اصبح يمينيا. هذا ميل ينبع من فقدان الطريق منذ اغتيال رابين. المحاولات الفجة لباراك كرئيس وزراء أدت الى انعدام ثقة الجمهور الغفير باتفاقات السلام. هذا رد فعل مفهوم ولكنه غير صحيح. فك بينك وبين نفسك أين الحقيقة وأين الواقع حقا. حرر نفسك من الشعارات التي تجلب لك المقاعد اذ ان هذه لن تنجيك في يوم الدين. كن زعيما لاسرائيل، وليس لليمين. التاريخ ايضا لن يخطىء في محاكمتك.
سوريا تلمح للغرب. تريد الخطوة. هي ضعيفة عسكريا والاسد الشاب هو الحاكم الاخير لسوريا العلمانية. بالضبط مثل مبارك العجوز. كلاهما - بعد اتفاق سلام مع اسرائيل – يمكنهما ان يصدا معنا الاصولية الايرانية التي لا تقبل المساومة.