راحة بال كبرى توفرها لنا وزارة الشؤون الاستراتيجية. فكم جميل ان نعرف بان في اسرائيل من يتابع التحريض الفلسطيني. يحرص على أن "يخلق الفلسطينيون اجواء سلام" ويجتهد لان "يدفعهم الى بناء ثقافة سلام". إذ ما لنا والبناء في القدس، في افرات او في رمات شلومو، ما هي الحواجز، الاعتقالات، هدم البيوت، اجراء الجار، اجراء الطفل، تحطيم العظام، مصادرة الاراضي او الاغلاق على مليون ونصف فلسطيني – كل هذه هي شؤون طفيفة بالقياس الى تسمية ميدان على اسم دلال المغربي. دعوة لمكافحة الاحتلال، او وصف المخربين بالشهداء. هذا هو التهديد الحقيقي على السلام. فالفلسطينيون ملزمون بذلك حسب خريطة الطريق. إذ بعد ان اوفينا نحن بدقة بكل بنودها وجمدنا تماما البناء في المستوطنات حان دورهم.
يوسي كوبرفاسر نائب مدير عام وزارة الشؤون الاستراتيجية، رجل ذكي بشكل عام، وقف على رأس دائرة البحوث في الاستخبارات يشرح، كما يجدر برجل عسكري، بان ثمة بضع اصناف من التحريض: الدعوة الى ممارسة الارهاب، التشهير باسرائيل وخلق اجواء مضادة لها. حقيقة ان الاحتلال لا يزال موجودا في المناطق وان كل شعب طبيعي تحت الاحتلال سيفعل كل شيء كي يتحرر منه، اختفت عن وعيه. في نظره، الفلسطينيون ينهضون في الصباح وهكذا يبدأون بشتم اسرائيل. شطبها عن الخرائط وكتب التعليم وتسمية مقاتليهم بالشهداء. بسذاجة مقيتة يطارد اعضاء فريق المتابعة التحريض اذ ان الامر لا يختلف عن متابعة التصريحات المضادة لاسرائيل في اوروبا او في الولايات المتحدة. الفارق هوة، اسرائيل لم تحتل بعد فرنسا او كليفلاند ولم تهدم فيها حتى ولا بيت واحد.
التحريض هو موضوع متملص. كيف، مثلا، يمكن وصف هذه الامور: الاعلان السياسي لقبطي حول "عجمي" من فيلم الى حلقة اضافية في الصراع الوطني للعرب في اسرائيل ضد الدولة التي هم مواطنوها. مثل تحقير ذكرى المشنوقين، او عرض الدولة التي لهم فيها حقوق مواطن اكثر مما في أي دولة عربية (بل وحقوق زائدة، مثل الاعفاء من الخدمة العسكرية) كدولة الابرتهايد... لكراهية اسرائيل هذه يساهم اضافة الى منتجي الفيلم ايضا مثقفون ومنتجون اسرائيليون من مواقع اخرى". فهل قصد الكاتب (اسرائيل هرئيل، هآرتس 11/3) التحريض ضد كل عرب اسرائيل؟ ضد مثقفين اسرائيليين؟ أفلا يوجد مكان مثلا للبدء في فحص جدول التحريض في اسرائيل قبل فحص بواطن الشعب الخاضع للاحتلال؟
وها هي نقطة بدء ممتازة لفريق "التفكير" والمتابعة، الذي يغرق صناديق البريد الالكتروني بنتائج التحريض الفلسطينية. استطلاع اجراه معهد البحث "مأجار موحوت" وعرض في مؤتمر في جامعة تل أبيب يشير الى أن 56 في المائة من ابناء الشبيبة في اسرائيل، تلاميذ الثانوية، يؤمنون بانه محظور السماح للعرب من مواطني اسرائيل ان ينتخبوا الى الكنيست. معدل المعارضين يصل الى 82 في المائة في اوساط الفتيان المتدينين. نحو 50 في المائة يعتقدون بانه لا يجب منح حقوق متساوية للعرب ولليهود. البروفيسور دانييل برتال من مدرسة التعليم في جامعة تل أبيب يقدر بان "في مفاهيم الشبيبة الدينية هناك خليط من الاصولية، القومية المتطرفة والعنصرية".
حسب معايير فريق المتابعة، يحتمل أن تكون اقوال برتال هي تحريض ضد الشبيبة الدينية او الشبيبة بشكل عام. ولكن قبل صياغة لائحة الاتهام ضده، يجدر العودة الى تعابير كوبرفاسر والتي بموجبها هدف جدول التحريض هو "اقناع الفلسطينيين ببناء ثقافة سلام". حيال من بالضبط عليهم أن يبنوا تلك الثقافة؟ حيال الجيل الشاب الاسرائيلي، الذي يرى حتى في مواطني الدولة العرب عدوا خطيرا يجب حرمانه من كل حق ديمقراطي؟ حيال محرضين يرون في مخرج عربي، او في مثقفين يهود يؤيدون ، اعداء يقاتلون ضد الدولة؟
جدول التحريض لا يرمي الى أن يفحص حقا مدى الكراهية التي يكنها الفلسطينيون لاسرائيل، او خلق ثقافة سلام. فهو وسيلة بائسة اخرى ترمي الى عرض اسرائيل كدولة عدل وطهارة، محبة للسلام كل مواطنيها محبون للعرب. خمار يغطي حقيقة أنه مقابل ثقافة السلام المطلوبة من الفلسطينيين، تتطور عندنا في الجانب الاسرائيلي دون عراقيل ثقافة عنصرية.