ترجمة عكا- طعنت صحيفة "الجارديان" البريطانية، التقرير الإسرائيلي الجديد حول التصرف العسكري خلال الحرب على غزة، وذلك بعد أن ظهرت الأدلة التي تكشف زيف أحد النتائج الرئيسية للتقرير الإسرائيلي.
وكانت إسرائيل قد قدّمت تقريرا مكوّن من 46 صفحة للأمم المتحدة يوم الجمعة الماضي، ورد فيه بأن القوات الإسرائيلية التزمت بالقانون الدولي طيلة فترة الحرب على غزة، والتي استمرت لـ3 أسابيع.
وهدفت إسرائيل من وراء تقريرها، إلى تفادي تهديدات المحاكمات الدولية، بالإضافة لتحدي تقرير الأمم المتحدة المُحرِج جدا لإسرائيل، والذي أشرف عليه القاضي الأفريقي الجنوبي "ريتشارد غولدستون"، والذي اتّهم كلا من إسرائيل وحماس بـ"خروقات خطيرة" حسب اتفاقية جنيف الرابعة.
وقد تطرق التقرير الإسرائيلي بالتفصيل لمجموعة من الحوادث التي جرت في غزة، كان من ضمنها الهجوم على مطحنة "البدر" شمال قطاع غزة، والتي دُمرت بشكل كامل.
وأبلغ فريق الأمم المتحدة المُختَص بالكشف عن الألغام وبقايا القذائف المدفعية التي أطلقها الجيش على غزة، عن بقايا قنبلة MK82 والتي تزن 500 باوند، حيث تم إلقاؤها من طائرة مقاتلة على "المطحنة" في يناير الماضي، وقد حصلت صحيفة "الجارديان" على صور لنصف كامل تلك القنبلة.
ويناقض هذا التقرير وبشكل مباشر الوقائع التي سردها التقرير الإسرائيلي، الذي تحدى الادعاءات التي تقول بأن البناية التي تم استهدافها بشكل متعمد ومقصود، وقال ليس هناك أي دليل على أنها تعرضت لضربة جوية.
وفي كل الأحوال، فقد تعامل غولدستون مع الموضوع وكأنه ضربة جوية كإشارة للهجوم الإسرائيلي على المطحنة، حيث لم تكن الأضرار جانبية وإنما تم استهدافها بدقة.
ولم يكن الهجوم على المطحنة بالحادث الأكثر خطرا في الحرب، بالرغم من قتل إسرائيل لـ1400 فلسطيني تقريبا خلال 3 أسابيع، فقد كانت المطحنة ضمن أحد المباني المدنية التي تُنتج الغذاء، كما أنها المطحنة الوحيدة التي تعمل في غزة.
وأشارت الصحيفة إلى أن هذه الحادثة تلقت انتقاداً خاصا من قِبَل غولدستون، والذي استنتج بأن البناية تم ضربها بضربة جوية، وأن الهجمة الأخرى كانت متعمدة ودقيقة، حيث قام سلاح الجو الإسرائيلي بتنفيذ الهجوم بغرض حرمان الفلسطينيين من الرزق والغذاء.
وأوضح التقرير أن هذا الهجوم انتهك اتفاقية جنيف الرابعة والقانون الدولي، مضيفا "وربما هذا يُشكِّل جريمة حرب".
واعترف التقرير الإسرائيلي في دفاعه بأنه تم ضرب المبنى بقذائف المدفعية بحجة أنه كان هدفا عسكريا مشروعا، بادعاء وجود مقاتلي حماس على مقربة من المطحنة، زاعما أن الطاحونة لم تكن هدفا مخطط له مسبقا، نافيا بأن يكون المبنى قد تعرض لغارة جوية.
من جانبه لم يجد المدعي العام العسكري أي دليل يدعم الزعم الإسرائيلي بأن الطاحونة هوجمت بغارة جوية باستخدام ذخائر دقيقة، وأشار إلى أنه لم يجد أي سبب لطلب تحقيق جنائي.
صحيفة الجارديان بدورها زارت المطحنة ايام ما بعد الحرب على غزة العام الماضي، وشاهد طاقمها الطابق الأول، حيث بقايا القنبلة التي سقطت من الطائرة الاسرائيلية على ماكينات الطحن المحترقة.
وحدد فريق الامم المتحدة لإزالة الألغام بأنه تم إلقاء قنبلة من طائرة مقاتلة على الطاحونة في 25 يناير العام، وتم إزالتها في 11 فبراير، وكان الجسم الواقع هو نصف الجهة الأمامية لقنبلة MK82، وهي القنبلة التي تُلقى عن طريق طائرة مقاتلة، بالإضافة إلى مصهر 273M.
وعثر الفريق على بقايا القنبلة في الطابق العلوي في ممر ضيق بين الآلات المحترقة والجدار الخارجي، وتم تأمين القنبلة من قِبَل مدير الفريق وتم إزالتها.
وقد زوّد الفريق الصحيفة بصورتين تُظهِر مكان ما تبقى من القنبلة، وظهر عليها تاريخ 25 يناير 2009 والتوقيت 14:38، ولم يقم الفريق بتقديم تقييم ضرر للبناية، إذا ما كان مدفعية أخرى ضربته، لأنها لم تكن مهمته.
يشار إلى أن إسرائيل دمرت خلال حربها على غزة، كمية كبيرة من البنى التحتية المدنية، تضمنت تدمير أكثر من 21.000 مبنى، بالإضافة إلى الشقق التي تم تدميرها سواء جزئيا أو كليا، بالإضافة إلى أكثر من 200 من المصانع الكُبرى.
وكانت مطحنة البدر –أكبر مطحنة في قطاع غزة- المكونة من 5 طوابق، قد قصفتها الطائرات الإسرائيلية، بالإضافة إلى أكبر مصنع للخرسانة في غزة والموجود على بعد بضعة أميال عن المطحنة، كما تم تدمير عدة مصانع غذائية أخرى.
وقال غولدستون في تقريره: "إن الغرض من وراء تدمير المطحنة تعطيل الطاقة الانتاجية"، مضيفا "انه لا يوجد هناك تبرير معقول للدمار الشامل، وهكذا يظهر بأن الغرض الوحيد كان أن يتم وضع حد لانتاج الطحين في قطاع غزة".
وكشف أحد مالكي "المطحنة" بأنه تلقى مكالمتين هاتفيتين من قِبَل الجيش الإسرائيلي، يطالبه فيها بإخلاء البناية خلال أيام قبل الضربة، مؤكدا على أن المبنى لم يكن مستخدما من قِبَل حماس أو مقاتلين آخرين.
وقال: "ما حصل في المطحنة دمار كلي لجميع خطوط الانتاج"، وقدّر الخسائر المادية نتيجة للدمار بحوالي 2.5 مليون دولار.